الشيخ فاضل اللنكراني

40

دراسات في الأصول ( دار التفسير )

بالنسبة إلى الآخر ، ولا يقصر وصف العرض على المحمول ؛ إذ المراد بالعرض هنا - كما عرفت - هو العرض في الاصطلاح المنطقي ، وهو عبارة عمّا يكون خارجا من ذات الشيء ومتّحدا معه في الخارج ، ففي قولنا في العلم الإلهي : « الجسم موجود » كلّ واحد من وصفي الجسم والوجود خارج عن ذات الآخر مفهوما ومتحد معه خارجا ، فكلّ واحد منهما عرض ذاتيّ بالنسبة إلى الآخر ، بمعنى : أنّه لا يكون عين الآخر ولا جزء له ، وكذلك كلّ واحد من وصفي الفاعلية والمرفوعيّة في قولنا : « الفاعل مرفوع » يكون عرضا منطقيّا بالنسبة إلى الآخر ، وهكذا في جميع مسائل العلوم ، فالموضوعات في مسائل كلّ علم أعراض ذاتية لما هو الجامع بين محمولات مسائله ، وليست الموضوعات ذاتيّة له ؛ إذ الذاتي منحصر في النوع والجنس والفصل بالنسبة إلى النوع المؤلّف منهما ، ولا تجد مسألة من مسائل العلوم يكون الموضوع لجامع محمولات المسائل نوعا أو جنسا أو فصلا ؛ إذ كلّ واحد من نوع الشيء وجنسه وفصله البعيد أعمّ منه ، والفصل القريب مساو لما هو فصل له ، مع أنّك ترى أنّ موضوع كلّ مسألة أخص من جامع محمولات المسائل . والحاصل : أنّ الموضوع في كلّ مسألة عرض بالنسبة إلى جامع محمولات المسائل وبالعكس ، غاية الأمر أنّ المتداول في عقد القضية جعل الأخص موضوعا والأعمّ محمولا . المقدّمة الخامسة : وإن كان جعل الأخصّ موضوعا والأعمّ محمولا هو الرائج في كتب القوم ولكن النظم الطبيعي يقتضي جعل المعلوم من الأمرين موضوعا والمجهول منهما محمولا ، فالموضوع بحسب الحقيقة هو المعلوم من الأمرين ، والمحمول هو تعيّنه المجهول الذي أريد في القضيّة إثباته ، سواء كان الأمر المجهول أعم بالنسبة إلى الموضوع أو مساويا له ، وعلى هذا الأساس المرفوعيّة معلوم ، والمجهول هو اتصاف الفاعل بها ، فلا بدّ أن نقول : المرفوع فاعل ، والمرفوع مبتدأ .